Posts

حين تفتح الأزمات أبواب الإصلاح: هل يمكن للتعليم عن بُعد أن يعيد التفكير في المدرسة الخليجية؟

في أوقات الاستقرار، تتحرك الأنظمة التعليمية ببطء شديد. لكن في أوقات الأزمات، يحدث ما لا يحدث عادة: تتغير السياسات بسرعة، وتُتخذ قرارات كان من الصعب تصورها قبل أسابيع فقط. في الأسابيع الأخيرة، دفعت الظروف الإقليمية غير الاعتيادية بعض دول الخليج إلى تحويل الدراسة مؤقتًا إلى التعليم عن بُعد حفاظًا على سلامة الطلبة والمعلمين. قد يبدو هذا التحول مجرد إجراء احترازي مؤقت، لكنه يفتح سؤالًا أعمق بكثير: هل يمكن أن تكون هذه اللحظة فرصة لإعادة التفكير في شكل التعليم نفسه؟ فالتاريخ يخبرنا أن كثيرًا من الإصلاحات الكبرى في التعليم لم تبدأ من التخطيط البيروقراطي، بل من لحظات اضطرار كشفت حدود النظام القائم. المدرسة كما نعرفها: نظام صُمم لعالم آخر النموذج التقليدي للمدرسة الذي ما زال يهيمن على معظم أنظمة التعليم في العالم —بما فيها دول الخليج— تشكّل في القرن التاسع عشر، حين كانت المجتمعات الصناعية بحاجة إلى: الانضباط الزمني التعليم الموحد نقل المعرفة بشكل مركزي لكن العالم اليوم مختلف تمامًا. التكنولوجيا أعادت تعريف المعرفة نفسها، ولم تعد المدرسة المصدر الوحيد للتعلم. ومع ذلك، ما زالت كثير من الأنظمة ال...

حين نستورد “الإنسانيّة”: كيف تُعيد الهيمنة الغربية تشكيل سياسات تعليم ذوي الإعاقة في الخليج؟

  في الخليج، لا تستورد السياسات التعليمية وحدها. أحيانًا نَستورد معها “لغة كاملة” عن الإنسان: ما الذي يُعدّ كرامة؟ وما الذي يُعدّ حقًا؟ ومن هو “الطالب” الذي يستحق أن تُبنى المدرسة حوله؟ هذه الأسئلة تبدو فلسفية، لكنها في الواقع تُترجم يوميًا إلى قرارات تعليمية: من يُدمَج؟ وكيف يُدمَج؟ ومن يُستثنى؟ ولماذا؟ تساعدنا أطروحة هاجر منصوري (٢٠٢٠) حول   النزعة الإنسانية في الفكر الإسلامي المعاصر   على بناء عدسة نقدية لفهم هذا المشهد. فالمهم في عملها ليس فقط تعريف الأنسنة أو تتبع تاريخها، بل كشف الطريقة التي تحولت بها “الإنسانية” في سياقات حديثة إلى   مركزية معرفية —بل إلى نوع من “المرجعية العالمية” التي تُقدَّم بوصفها النموذج الوحيد الممكن، بينما تُهمَّش السياقات الدينية والثقافية الأخرى أو تُختزل باعتبارها غير صالحة للإسهام. من “مشروع كرامة” إلى “خطاب معياري” تشير منصوري (٢٠٢٠) إلى مسار مهم: النزعة الإنسانية—رغم إنجازاتها—لا يمكن أن تكون فكرًا مكتملًا على جميع المستويات، خصوصًا مع التحولات المتسارعة في عصر العلم والتكنولوجيا. لكن الأكثر أهمية هو كيف يلفت النص إلى نقدٍ قديم/جد...

مناهج تتبدل، وقرارات تتسارع... فأين الفلسفة التربوية؟

 ومضات فكرية ضجّت وسائل الإعلام الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بجدلية ساخنة: هل ما تم تغييره في السياسات التربوية مؤخرًا يحمل نفعًا حقيقيًا؟ وهل التحولات الجديدة في المناهج، وبصمة التواجد، والقرار الوزاري 116، تمضي بنا نحو تعليم أكثر عدالة وفعالية؟ كان لوزير التربية نصيب الأسد من التفاعل، ما بين مؤيد يرى فيه رجل مرحلة، ومعارض يتوجّس من تسارع التغيير دون تمكين حقيقي. وفي هذا المقال، لا أزعم امتلاك الحقيقة، بل أسعى إلى إضاءة زوايا مظلمة في هذه التحولات الثلاث الكبرى، من منظوري في مدونة السُنبلة التي لا أبحث فيها عن الرأي السائد بل عن السؤال الغائب. 1. هل بصمة التواجد مؤشر عن الانضباط أم لا؟ تُعدّ “بصمة التواجد” قرارًا إداريًا ظاهره الانضباط، لكن باطنه يفتح تساؤلات تربوية لا تقل خطورة. هل غايتنا من التعليم هي الحضور الجسدي أم المشاركة الفكرية؟ هل البصمة تحلّ مشكلة تغيب المعلمين، أم تُعيد إنتاج أزمة الثقة بين الوزارة والمعلمين؟ حين تُفرض أنظمة مراقبة قبل بناء جسور التعاون، أقلق من أن تتحول المدرسة إلى بيئة بيروقراطية، يُقاس فيها الأداء بالدقائق لا بالأثر. 2. هل تحدي...

حين تُصبح الشهادة شرطًا للجودة: قراءة هادئة في الرخصة المهنية للمعلمين

  هل تُصلح الرخصة المهنية ما أفسدته السياسات التعليمية؟ في كل مرة تتعثر فيها مخرجات التعليم العام، يتجه النظر نحو   المعلم : كفاءته، تدريبه، التزامه، وحتى "مهنيّته". وفي هذا السياق، تتكرر الدعوة إلى   فرض الرخصة المهنية للمعلمين   كإجراء إصلاحي يُفترض أن يرفع من جودة التعليم ويضبط الأداء. ويُربط هذا الطرح—ضمنيًا أو صراحة—بنتائج الكويت في اختبارات مثل   TIMSS   و PISA ، التي تُظهر فجوات مستمرة بين الطموح والواقع. لكن، هل الرخصة المهنية هي المفتاح السحري لتحسين التعليم؟ هل يُمكن الافتراض ببساطة أن الترخيص سيؤدي تلقائيًا إلى مخرجات أفضل؟ وهل التجارب الدولية تدعم هذا الربط، أم تكشف عن واقع أكثر تعقيدًا؟ في هذا المقال، لا أطرح إجابة حاسمة، بل أفتح نافذة للتأمل في   الفرضية   التي تقول إن وجود رخصة مهنية سيقود إلى تعليم أفضل. وسأستعرض تجارب من السعودية والولايات المتحدة وغيرها، لأفهم: هل فعلاً نجحت هذه الرخصة في رفع الجودة؟ أم أن أثرها مشروط بعوامل أخرى تتعلق بالبنية المؤسسية والثقافية؟  الرخصة المهنية: أداة لضبط الجودة أم قيد بيروقراطي؟ تستند فرضي...

لماذا تفشل إصلاحات التعليم في الخليج؟ دروس من [Dismantling Disproportionality] حول العدالة المؤسسية

  رغم تعاقب اللجان وتغيّر الوزراء وتعدد الخطط، لا يزال السؤال مطروحًا: لماذا تفشل إصلاحات التعليم في دول الخليج، لا سيما في الكويت؟ في كل عام، تُعلن استراتيجيات تطوير، وتُطلق مبادرات "نوعية"، ويُعاد تصميم المناهج أو إعادة هيكلة الإدارة. ومع ذلك، تبقى المخرجات التعليمية متواضعة، وتستمر الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المدرسي. قد يكون الجواب في مكان لم ننظر إليه بما يكفي: التحوّل المؤسسي والثقافي داخل النظام التعليمي. يطرح كتاب [Dismantling Disproportionality] منظورًا نقديًا وممارساتيًا لهذا النوع من الإصلاح المؤسسي الجذري، ويركّز على مفاهيم مثل "القيادة المستجيبة ثقافيًا"، و"الجاهزية المؤسسية"، و"المساءلة الداخلية". هذه المفاهيم تفتح لنا نافذة لفهم لماذا تعجز الإصلاحات الشكلية عن إحداث التغيير المنشود إذا لم تكن مدعومة بتحوّلات في الثقافة الإدارية، وبناء القدرات، وتفكيك البُنى التي تُكرّس اللامساواة. وفي السياق الكويتي، تطرح التجربة الخليجية تساؤلات جوهرية: هل يُمكن استنساخ الإصلاحات دون تمكين الميدان؟ وهل يمكن لتغييرات فوقية، مهما كانت نواياها ...