حين نستورد “الإنسانيّة”: كيف تُعيد الهيمنة الغربية تشكيل سياسات تعليم ذوي الإعاقة في الخليج؟
في الخليج، لا تستورد السياسات التعليمية وحدها. أحيانًا نَستورد معها “لغة كاملة” عن الإنسان: ما الذي يُعدّ كرامة؟ وما الذي يُعدّ حقًا؟ ومن هو “الطالب” الذي يستحق أن تُبنى المدرسة حوله؟ هذه الأسئلة تبدو فلسفية، لكنها في الواقع تُترجم يوميًا إلى قرارات تعليمية: من يُدمَج؟ وكيف يُدمَج؟ ومن يُستثنى؟ ولماذا؟
تساعدنا أطروحة هاجر منصوري (٢٠٢٠) حول النزعة الإنسانية في الفكر الإسلامي المعاصر على بناء عدسة نقدية لفهم هذا المشهد. فالمهم في عملها ليس فقط تعريف الأنسنة أو تتبع تاريخها، بل كشف الطريقة التي تحولت بها “الإنسانية” في سياقات حديثة إلى مركزية معرفية—بل إلى نوع من “المرجعية العالمية” التي تُقدَّم بوصفها النموذج الوحيد الممكن، بينما تُهمَّش السياقات الدينية والثقافية الأخرى أو تُختزل باعتبارها غير صالحة للإسهام.
من “مشروع كرامة” إلى “خطاب معياري”
تشير منصوري (٢٠٢٠) إلى مسار مهم: النزعة الإنسانية—رغم إنجازاتها—لا يمكن أن تكون فكرًا مكتملًا على جميع المستويات، خصوصًا مع التحولات المتسارعة في عصر العلم والتكنولوجيا. لكن الأكثر أهمية هو كيف يلفت النص إلى نقدٍ قديم/جديد: أن الخطاب الإنساني قد يتحول أحيانًا إلى خطاب عام، مشحون بالعاطفة، يفضّل البقاء في مستوى الشعارات بدل مواجهة الواقع بتحليل معرفي دقيق.
هذه الملاحظة تُضيء نقطة حساسة في السياسات التعليمية في المنطقة: كثير من سياسات “الإصلاح” في الخليج تأتي مغلفة بلغة إنسانية جذابة—دمج، مساواة، فرص، جودة، تمكين—لكنها أحيانًا تبقى أقرب إلى الخطاب منها إلى “إعادة بناء المدرسة” بوصفها مؤسسة اجتماعية ومعرفية. والنتيجة: تتحول بعض المفاهيم إلى واجهة أخلاقية، بينما تظل البُنى العميقة (التمويل، إعداد المعلم، التقييم، منطق التصنيف، السلطة الإدارية) على حالها.
المشكلة ليست في “نُبل الفكرة”… بل في طريقة النقل
ظهر في نص الأطروحة نقد واضح لتعاملنا العربي مع مفاهيم الحداثة: أن كثيرًا من المصطلحات—مثل الاستنارة، التحديث، العولمة—تنتقل إلى فضائنا دون أن ترتبط “بمعجمها الفلسفي المركّب” ودون تفكيك سياقاتها الحضارية، فتتحول إلى تعريفات عامة وشعارات جذابة، لكنها بعيدة عن العمق والموضوعية.
وهنا تكمن صلة مباشرة بدول الخليج: لأن استيراد السياسات التعليمية في كثير من الأحيان لا يكون استيراد “حل” فقط، بل استيراد نموذج معرفي: ماذا تعني المدرسة؟ كيف يُعرّف النجاح؟ ما قيمة الاختلاف؟ ما وظيفة التقييم؟ ما صورة “الطالب الطبيعي” التي تُبنى عليها المناهج؟
والأخطر—كما تبيّن منصوري (٢٠٢٠)—أننا كثيرًا ما ننقل “أفكارًا” لا “فكرًا”؛ أي ننقل أجزاء متناثرة من خطاب عالمي دون بناء منظومة متماسكة، فيتعايش المتناقض جنبًا إلى جنب: نحتفي بالشمولية في الخطاب، ونمارس الإقصاء في البنية؛ نرفع شعار الدمج، ونُبقي المدرسة مبنية حول اختبار موحد ومنهج جامد ومعلم غير مُعَدّ للتنوع.
لماذا يظهر أثر الهيمنة بشكل خاص في سياسات الإعاقة؟
في مجال تعليم ذوي الإعاقة، يصبح أثر الهيمنة الغربية أكثر وضوحًا لسبب بسيط: لأن هذا المجال يحمل أكثر المفاهيم “المعيارية” حساسية: القدرة، الاستقلالية، الإنتاجية، القياس، التطبيع، “الجاهزية للدمج”، والتصنيف. عندما تُستورد سياسات الدمج دون مساءلة خلفياتها، تتحول الإعاقة إلى ملف فني/إداري: أدوات تشخيص، غرف مصادر، خطط فردية… بينما تُهمَّش الأسئلة الأعمق: هل المدرسة عادلة؟ هل المنهج يتسع للتنوع؟ هل التقييم يعترف بطرائق تعلم متعددة؟ هل البيئة المدرسية تحمي الكرامة وتُقلص الوصمة؟
وهنا يصبح الدمج أحيانًا “مقعدًا داخل الفصل” لا “حقًا في التعلم”. يصبح هدف السياسة أن تُظهر المؤسسة أنها ملتزمة بالمعايير العالمية، لا أن تُعيد بناء شروط التعلم لتناسب الواقع المحلي، والعائلة، والثقافة، واحتياجات الطالب.
المسيري: نقل بلا مراجعة… هذا هو جوهر الأزمة
من أبلغ ما نقلته منصوري عن عبد الوهاب المسيري: أن الغرب نفسه راجع كثيرًا من أطروحاته بعد اكتشاف تناقضاتها، بينما يقوم الفكر العلماني العربي—في حالات—بنقل أطروحات الاستنارة “دون أن يحور أو يعدل أو ينتقد أو يراجع”.
هذه الجملة تصلح لتفسير كثير من السياسات في الخليج: نحن نستورد نموذجًا تربويًا جاهزًا، ونطبّقه وكأنه محايد عالميًا، ثم نُفاجأ بأن التطبيق ينتج توترًا: بين المدرسة والأسرة، بين الخطاب الديني والخطاب الحقوقي، بين المعلم ومتطلبات “الدمج”، بين رغبة الدولة في تحديث سريع وبين واقع المؤسسة التعليمية.
في سياسات الإعاقة تحديدًا، يؤدي النقل غير النقدي إلى مشكلات متكررة:
دمج شكلي دون تعديل جوهري للمناهج أو التقييم.
تحميل المعلم مسؤوليات لا تساندها بنية تدريب أو وقت أو موارد.
ترسيخ الوصمة حين يصبح الطالب “حالة” في النظام بدل أن يكون عضوًا كاملًا في مجتمع المدرسة.
تضخم الإجراءات على حساب معنى التعلم نفسه.
مالك بن نبي: إسقاط حرفي للنماذج
تستحضر منصوري أيضًا فكرة مالك بن نبي حول “استيراد منتجات الحضارة” وإسقاطها حرفيًا على مجتمعاتنا دون مراعاة الفروق. هذه ليست دعوة للرفض، بل دعوة لـ”الترجمة النقدية”: أن نعرف ما الذي نأخذه، ولماذا، وكيف نعيد تصميمه داخل شروطنا الاجتماعية والثقافية.
في الخليج، هذا يعني أن السياسات المتعلقة بذوي الإعاقة يجب ألا تُستورد بوصفها “منتجًا جاهزًا”، بل تُعاد صياغتها وفق ثلاثة أسئلة عملية:
ما الذي نريد حمايته أولًا: الكرامة أم الامتثال للمعيار؟
ما الذي نعيد تصميمه في المدرسة: البنية أم اللغة؟
ما الذي نعدّه نجاحًا: اختبار موحد أم تعلم ذو معنى؟
نحو “إنسانية مترجَمة” لا “إنسانية مستوردة”
لا يدعونا هذا التحليل إلى رفض الإنجازات العالمية في حقوق ذوي الإعاقة أو في التربية الشاملة. لكنه يدعونا إلى شيء أدق: أن نميّز بين الاستفادة والاستلاب، وبين التعلم من التجارب وبين تكرارها دون نقد.
البديل الذي أقترحه—ضمنًا—هو إنسانية “مترجمة” إلى سياقنا: إنسانية لا تُختزل في شعار، ولا تتحول إلى خطاب عاطفي، بل تُترجم إلى تصميم مؤسسي: تدريب معلمين، مناهج مرنة، تقييم عادل، مشاركة أسرية حقيقية، وبيئة مدرسية تُعامل الطالب ذو الإعاقة باعتباره “إنسانًا كاملًا” لا “استثناءً إجرائيًا”.
وفي النهاية، السؤال الذي أطرحه في مدونة السنبلة ليس: هل نحتاج إنسانية؟ بل: أي إنسانية نُريد أن تحكم سياساتنا التعليمية؟
إنسانية تُستورد كقالب جاهز، أم إنسانية تُبنى من الداخل: نقدًا، ترجمةً، وتصميمًا يليق بكرامة الإنسان—كل إنسان.
خاتمه
ليست المشكلة في أن نتعلّم من العالم، ولا في أن نستفيد من تجارب نجحت في أماكن أخرى. المشكلة تبدأ حين نُسلِّم مفاتيح تعريف الإنسان لغيرنا، ثم نُدهَش عندما لا تنبت السياسات في تربتنا كما نُريد.
في التعليم—وخاصة تعليم ذوي الإعاقة—لا تكفي لغة الحقوق ولا شعارات الدمج، إن لم تُترجم إلى مدرسة تُنصت، ومنهج يتّسع، ونظام يرى الإنسان قبل المعيار. فالكرامة لا تُستورد، بل تُبنى. والإنسانية الحقيقية لا تُقاس بمدى تشابهنا مع النماذج العالمية، بل بقدرتنا على إعادة صياغتها بما يحفظ المعنى، ويُبقي الإنسان في المركز.
وهنا، ربما تكون مهمتنا أبسط مما نظن وأصعب مما نتصور:
أن نزرع السنبلة في أرضنا، لا أن ننقلها كما هي، ثم ننتظر منها حصادًا لا يشبهنا.
تحياتي
رشا مهدي العجمي
المراجع
منصوري، هاجر. النزعة الإنسانية في الفكر الإسلامي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية. رسالة دكتوراه، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة، الجزائر، ٢٠٢٠.
Comments
Post a Comment