لماذا تفشل إصلاحات التعليم في الخليج؟ دروس من [Dismantling Disproportionality] حول العدالة المؤسسية
رغم تعاقب اللجان وتغيّر الوزراء وتعدد الخطط، لا يزال السؤال مطروحًا: لماذا تفشل إصلاحات التعليم في دول الخليج، لا سيما في الكويت؟ في كل عام، تُعلن استراتيجيات تطوير، وتُطلق مبادرات "نوعية"، ويُعاد تصميم المناهج أو إعادة هيكلة الإدارة. ومع ذلك، تبقى المخرجات التعليمية متواضعة، وتستمر الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المدرسي. قد يكون الجواب في مكان لم ننظر إليه بما يكفي: التحوّل المؤسسي والثقافي داخل النظام التعليمي.
يطرح كتاب [Dismantling Disproportionality] منظورًا نقديًا وممارساتيًا لهذا النوع من الإصلاح المؤسسي الجذري، ويركّز على مفاهيم مثل "القيادة المستجيبة ثقافيًا"، و"الجاهزية المؤسسية"، و"المساءلة الداخلية". هذه المفاهيم تفتح لنا نافذة لفهم لماذا تعجز الإصلاحات الشكلية عن إحداث التغيير المنشود إذا لم تكن مدعومة بتحوّلات في الثقافة الإدارية، وبناء القدرات، وتفكيك البُنى التي تُكرّس اللامساواة. وفي السياق الكويتي، تطرح التجربة الخليجية تساؤلات جوهرية: هل يُمكن استنساخ الإصلاحات دون تمكين الميدان؟ وهل يمكن لتغييرات فوقية، مهما كانت نواياها طيبة، أن تصمد أمام واقع مؤسسي لم يُهيَّأ بعد للعدالة التعليمية؟
ضعف استخدام البحث العلمي في السياسات التربوية في الكويت: دراسة في فجوة المنهج والتطبيق
في الوقت الذي تشهد فيه النظم التعليمية عالميًا توجهًا متزايدًا نحو السياسات المبنية على الأدلة، تعاني السياسات التربوية في الكويت من ضعف واضح في استخدام البحث العلمي كموجه حقيقي لعملية صنع القرار، لا سيما في مجال تطوير المناهج الدراسية. وبينما تُطرح خطابات رسمية طموحة بشأن التحديث والدمج والتحول نحو التعليم القائم على الكفايات، تفتقر هذه الخطابات إلى أسس معرفية وممارسات مؤسسية تجعلها قابلة للتطبيق والتقييم.
تُظهر نتائج تحليل السياسات التربوية الرسمية أن "قيم المنهاج القائم على الكفايات تهيمن على وثائق وزارة التربية… لكن أصحاب المصلحة على مختلف المستويات يفتقرون إلى فهم واضح لهذه القيم" (Al‑Sannafi, 2021, p. 259). هذا التناقض بين صياغة الخطط الاستراتيجية وتملكها فعليًا من قِبل الفاعلين في الميدان، يكشف خللًا بنيويًا في آليات بناء القدرات وربط المنظورات البحثية بالممارسة اليومية في المدارس.
من جهة أخرى، تؤكد دراسات ميدانية أن غياب مشاركة أصحاب المصلحة (وخاصة المعلمين وخبراء المناهج) في صياغة السياسات، قد ترافق مع تغييب شبه تام لتأثير البحث العلمي. حيث تلاحظ العازمي (2018) أن "غياب مشاركة أصحاب المصلحة، أو تأثير البحث العلمي، في صياغة السياسات التربوية كان واضحًا." هذا الواقع يعكس صورة مقلقة لممارسات تُدار من الأعلى إلى الأسفل دون تفاعل حقيقي مع البيئة التعليمية أو نتائج الدراسات المتاحة.
وتُضاف إلى ذلك معضلة أخرى تتمثل في محدودية معرفة بعض صناع القرار بالتشريعات التربوية القائمة. فقد أظهرت مقابلات أُجريت ضمن دراسة الدكتوراه نفسها أن "معرفة المشاركين بالقوانين التعليمية القائمة كانت محدودة" (Alazmi, 2018, p. 161)، ما يعني أن فجوة المعرفة لا تتعلق فقط بالجوانب التربوية، بل تشمل أيضًا الجوانب القانونية والتنظيمية.
غياب لجنة التعليم البرلمانية: فراغ مؤسسي يُعمّق فجوة السياسات
في ظل توقيف مجلس الأمة في مايو 2024، توقفت أيضًا أعمال لجانه الدائمة، وعلى رأسها لجنة شؤون التعليم والثقافة والإرشاد التي شكّلت في السنوات الأخيرة أحد المسارات المؤسسية القليلة التي تربط بين المعرفة البحثية وصنع السياسات. فقد لعبت هذه اللجنة، في تشكيلاتها السابقة، دورًا في فتح قنوات استماع لمقترحات تربويين وأكاديميين، وعقدت جلسات نقاش موسعة حول تطوير المناهج وتقييم البرامج، كما تابعت أداء الوزارة في الاختبارات الدولية وتعثّر خطط الإصلاح.
غياب اللجنة عن المشهد اليوم يعني غياب حلقة وصل مهمة بين المجتمع البحثي وصانع القرار، وترك الساحة لقرارات بيروقراطية ذات طابع إداري صرف، تُتخذ غالبًا بمعزل عن النقد الأكاديمي أو المساءلة المؤسسية. ويُفاقم هذا الغياب من هيمنة النماذج المركزية في اتخاذ القرار، في وقت يحتاج فيه النظام التعليمي الكويتي إلى آليات مؤسسية تستوعب المعرفة التربوية وتوظّف نتائج البحوث في رسم السياسات وتعديلها.
إن تعطّل هذا المسار البرلماني الحيوي، مع ضعف أدوات التقييم والمراجعة المستقلة داخل الوزارة، يُضعف من فرص بناء سياسات تعليمية قائمة على الأدلة. ويؤكد ذلك الحاجة إلى تعزيز البنية التشريعية والتنسيقية التي تربط بين الباحثين، ولجان التعليم، وصنّاع القرار التنفيذيين، لا سيما في مجالات حيوية كإصلاح المناهج وتطوير بيئات التعلم.
الجاهزية المؤسسية: بين التنظير والتطبيق
من أبرز الإسهامات النظرية والتطبيقية في كتاب [Dismantling Disproportionality] تقديمه لمفهوم "الجاهزية المؤسسية" Institutional Readiness، كشرطٍ محوري لأي إصلاح يسعى لتحقيق العدالة التعليمية. فالجاهزية هنا لا تُفهم كمجموعة إجراءات تقنية أو لوجستية، بل كتوفر شروط ثقافية وقيادية وتنظيمية تسمح بتفعيل الإصلاحات بشكل جذري لا سطحي.
بحسب نموذج [CfD] Center for Disproportionality، لا تكفي نوايا الإصلاح أو توفير الموارد إذا كانت ثقافة المؤسسة التربوية تعاني من إنكار للتمييز، أو تخضع لسلطوية إدارية تحول دون الممارسة النقدية. ويظهر ذلك جليًا في دراسة حالة "هامسبورغ" التي عُرضت في الفصل الخامس من الكتاب، حيث فشل تطبيق النموذج رغم توفر الأدوات والتدريبات، لأن القيادة لم تكن متناغمة، والرؤية لم تكن مشتركة، والمؤسسة لم تكن ناضجة ثقافيًا لتبنّي مسار تحويلي.
أما في السياق الخليجي، وتحديدًا الكويتي، فتثير هذه الرؤية سؤالًا ملحًا: هل مدارسنا فعلًا "جاهزة" لتطبيق نماذج عالمية كالتي يتداولها مسؤولو المناهج أو الإدارات العليا؟ أم أننا نكرر نمط "الإصلاح الشكلي" بتطبيق أدوات دون تهيئة بيئة مؤسسية وثقافية تستوعب التغيير؟ الواقع يشير إلى محدودية في الاستعداد، لا سيما في ظل ضعف إشراك المعلمين، وضبابية الرؤية، وعدم استقرار السياسات التربوية. بل إننا كثيرًا ما نشهد "إنجاز الإصلاح" دون مرافقة ثقافية وفكرية تؤسس لتحول حقيقي.
القيادة التربوية: الحلقة المفقودة في منظومة الإصلاح
يشدد كتاب [Dismantling Disproportionality] على أن القيادة ليست دورًا إداريًا محضًا، بل ممارسة أخلاقية وسياسية تسهم في إعادة تشكيل المؤسسة المدرسية من الداخل. فالقادة المؤثرون (كما في حالة "باليسيدز" التي تناولها الكتاب) هم من يتخذون مواقفًا واضحة، يزرعون ثقافة مساءلة داخلية، ويخلقون بيئة تعلم مهني مستدامة.
في المقابل، تعاني الأنظمة التعليمية الخليجية من مركزية شديدة تُضعف تمكين قادة المدارس. فمديرو المدارس(بدلًا من أن يكونوا روّادًا تربويين)غالبًا ما يُعاملون كمنفّذين إداريين، مقيدين بتعاميم ومهام مكتبية تُبعدهم عن جوهر الدور القيادي. وفي الكويت تحديدًا، تشير تجارب ميدانية عدة إلى غياب برامج إعداد قيادي تربوي مستجيب للسياق، وانعدام استقلالية المدارس في صياغة خططها التعليمية.
وهنا تبرز دعوة الكتاب إلى الاستثمار في نماذج "القيادة المستجيبة ثقافيًا" [Culturally Responsive School Leadership – CRSL] كمدخل لتأهيل القيادات التربوية في الخليج كي تُحدث التحول لا أن تكون عائقًا له.
إشراك الميدان لا فرض الإصلاح عليه
من النماذج اللافتة التي يعرضها الكتاب، تجربة "مركز الشباب للتفاوتات النسبية" [Youth Center for Disproportionality – YCfD]، حيث يُشرك الطلبة مباشرة في رصد وتحليل الفجوات، مما يعزز طابعًا ديمقراطيًا للمساءلة. هذا النموذج يتجاوز فرض السياسات من الأعلى، نحو إعادة توزيع القوة داخل المؤسسة التعليمية.
أما في دول الخليج، فالإصلاحات لا تزال تُدار بمنطق فوقي، تُصمم في غرف مغلقة، وتُفرض على الميدان دون إشراك فعلي للمعلمين أو الطلبة أو حتى الإدارات المدرسية. وتُمثل مركزية المناهج والإشراف التربوي(كما في الكويت) عائقًا بنيويًا أمام تطبيق إصلاحات تشاركية مستجيبة للسياق.
إن ربط الإصلاحات بالميدان لا يعني إضعاف الدولة، بل يعني بناء شرعية داخلية وفاعلية تنفيذية عبر تمكين من هم في قلب العملية التعليمية.
ما الذي يمكن تعلمه من الكتاب؟
يقدّم [Dismantling Disproportionality] أدوات منهجية وتطبيقية يمكن الاستفادة منها وتكييفها في السياقات الخليجية، مثل:
تحليل أسباب الفجوات عبر أدوات كمية ونوعية (مثل "نسب الخطر").
مؤشرات الأداء المرتبطة بالعدالة بدلًا من مؤشرات الإنجاز فقط.
برامج تعلم مهني تحويلي ترافق الإصلاحات بدلًا من ورش تدريبية قصيرة الأمد.
غير أن الكتاب لا يدعو إلى "نقل" النموذج الأمريكي كما هو، بل يُلهم القادة لصياغة نماذج محلية، تُعيد إنتاج تلك المبادئ ضمن السياقات الثقافية والتشريعية الخليجية. فمثلاً، لا يمكن تطبيق نموذج [CfD] في الكويت دون مراجعة بنية الإشراف، وتمكين المدارس، وتعديل سياسات التقييم.
في الختام
لا أجد في كتاب [Dismantling Disproportionality] مجرد دراسة حالة من سياق بعيد، بل مرآة نقدية تُضيء مكامن الخلل البنيوي في محاولاتنا الخليجية نحو "إصلاح التعليم". لقد وجدت في هذا الكتاب أدوات وتحليلات تفتح الباب لسؤال ضروري: هل نحن نمتلك الجاهزية المؤسسية للعدالة، أم نراكم شعارات فوق بيئات غير مهيأة؟
أنا لا أرفض الاستفادة من النماذج العالمية، بل أرفض أن نختزلها إلى قوالب جاهزة نُسقطها على مدارسنا دون تأمل أو تمكين. الإصلاح الحقيقي لا يأتي من مركز القرار فقط، بل من الجذور: من ثقافة المؤسسة، من أصوات الطلبة والمعلمين، من قيادة شجاعة تؤمن أن العدالة ليست امتثالًا إداريًا، بل التزامًا أخلاقيًا مستمرًا.
ولعل الدور الآن يقع على مؤسسات إعداد المعلمين، والجامعات الوطنية، ومجالس المعلمين، لتقديم نماذج إصلاحية متجذرة في السياق، تبني على المعرفة المحلية بدلًا من استيراد الحلول.
أكتب هنا في "السنبلة" لأنني أؤمن أن السياسات التربوية ليست أوراقًا تُوقّع، بل رؤى تُبنى. ولأن العدالة، كما أفهمها، تبدأ من السؤال: لمن نكتب؟ ومن نُشرك؟ ومن نُقصي؟ وأين نزرع الأمل؟
تحياتي
رشا مهدي العجمي
Alazmi, A. A. (2018). Education-related laws from the perspective of Kuwaiti official influencers (Doctoral dissertation, Virginia Tech). Retrieved from https://vtechworks.lib.vt.edu/bitstream/handle/10919/82957/Alazmi_AA_D_2018.pdf
Al‑Sannafi, B. (2021). Educational policy and decision‑making in Kuwait: Learning from the past to improve the future (Doctoral dissertation, University of Manchester). Retrieved from https://research.manchester.ac.uk/en/studentTheses/educational-policy-and-decision-making-in-kuwait-learning-from-th
Hernández, M. G., Lopez, D. M., & Swier, R. (2022). Dismantling disproportionality: A culturally responsive and sustaining systems approach. Teachers College Press.
Comments
Post a Comment