حين تفتح الأزمات أبواب الإصلاح: هل يمكن للتعليم عن بُعد أن يعيد التفكير في المدرسة الخليجية؟

في أوقات الاستقرار، تتحرك الأنظمة التعليمية ببطء شديد.
لكن في أوقات الأزمات، يحدث ما لا يحدث عادة: تتغير السياسات بسرعة، وتُتخذ قرارات كان من الصعب تصورها قبل أسابيع فقط.
في الأسابيع الأخيرة، دفعت الظروف الإقليمية غير الاعتيادية بعض دول الخليج إلى تحويل الدراسة مؤقتًا إلى التعليم عن بُعد حفاظًا على سلامة الطلبة والمعلمين. قد يبدو هذا التحول مجرد إجراء احترازي مؤقت، لكنه يفتح سؤالًا أعمق بكثير:
هل يمكن أن تكون هذه اللحظة فرصة لإعادة التفكير في شكل التعليم نفسه؟
فالتاريخ يخبرنا أن كثيرًا من الإصلاحات الكبرى في التعليم لم تبدأ من التخطيط البيروقراطي، بل من لحظات اضطرار كشفت حدود النظام القائم.


المدرسة كما نعرفها: نظام صُمم لعالم آخر

النموذج التقليدي للمدرسة الذي ما زال يهيمن على معظم أنظمة التعليم في العالم —بما فيها دول الخليج— تشكّل في القرن التاسع عشر، حين كانت المجتمعات الصناعية بحاجة إلى:
  • الانضباط الزمني
  • التعليم الموحد
  • نقل المعرفة بشكل مركزي

لكن العالم اليوم مختلف تمامًا.
التكنولوجيا أعادت تعريف المعرفة نفسها، ولم تعد المدرسة المصدر الوحيد للتعلم. ومع ذلك، ما زالت كثير من الأنظمة التعليمية تُدار بنفس المنطق القديم:
الحضور الإجباري، الصفوف المتجانسة، والمناهج الموحدة.
ولهذا، عندما اضطرت الأنظمة التعليمية فجأة إلى نقل التعليم إلى الفضاء الرقمي، ظهر سؤال لم يكن مطروحًا بوضوح من قبل:
هل المدرسة مبنى… أم تجربة تعلم؟

في هذا السياق، تبرز أهمية إعادة التفكير في دور المدرسة كوحدة فاعلة في النظام التعليمي، وليس مجرد جهة تنفيذية للتعليمات المركزية. فتمكين المدارس من قدر أكبر من الاستقلال في اتخاذ القرارات التربوية والتنظيمية يمكن أن يعزز قدرتها على الابتكار، وتطوير حلول تعليمية تناسب احتياجات طلابها وسياقها المحلي. كما أن تشجيع المبادرات المدرسية، وبناء ثقافة مهنية تسمح بالتجريب والتعلم من الأخطاء، يمكن أن يحول الأزمات من لحظات ارتباك مؤسسي إلى فرص حقيقية لتطوير التعليم.


ما الذي كشفه التعليم عن بعد؟


التحول المفاجئ إلى التعليم عن بعد كشف عدة حقائق عن أنظمة التعليم في الخليج:

1. هشاشة الاعتماد الكامل على الحضور الجسدي
لطالما ارتبط مفهوم التعليم بالحضور اليومي في المدرسة. لكن التجربة الأخيرة أظهرت أن التعلم يمكن أن يستمر خارج جدران الصف، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة من النجاح.

2. الفجوة الرقمية

كشفت التجربة أيضًا عن تفاوت في جاهزية المدارس والمعلمين والطلبة للتعليم الرقمي، سواء من حيث البنية التحتية أو المهارات التربوية.


3. مركزية النظام التعليمي

فيكثير من الحالات، انتظر المعلمون والمدارس التعليمات المركزية قبل اتخاذ أي خطوة، وهو ما يعكس طبيعة الأنظمة التعليمية المركزية في المنطقة.

لكن رغم هذه التحديات، فإن التجربة كشفت أيضًا إمكانيات لم تكن مستثمرة من قبل.

ماذا يمكن أن نتعلم من هذه اللحظة؟

بدل أن نرى التعليم عن بعد كحل مؤقت، يمكن التفكير فيه كنقطة انطلاق لإصلاحات أوسع، مثل:

إعادة تعريف دور المدرسة
قد لا يكون دور المدرسة هو مجرد نقل المعرفة، بل خلق بيئة للتفاعل والتفكير والتعلم المشترك.

تطوير نماذج تعليم هجينة
كثير من الأنظمة التعليمية المتقدمة بدأت تعتمد التعليم المدمج (Hybrid Learning) الذي يجمع بين التعلم الحضوري والتعلم الرقمي.

تعزيز استقلالية المدارس والمعلمين

الأزمات تكشف الحاجة إلى أن تكون المدارس أكثر قدرة على اتخاذ قرارات تربوية مرنة بدل الاعتماد الكامل على المركزية.

من العبر والدروس 

النظر إلى التجارب الدولية خلال جائحة كوفيد-19 يوضح أن الأزمة لم تكن مجرد انقطاع مؤقت للتعليم، بل كشفت نقاط القوة والضعف في أنظمة التعليم حول العالم. فقد أغلقت المدارس في معظم الدول لفترات طويلة، بلغ متوسطها ما بين 55 و101 يوم بحسب المرحلة التعليمية، الأمر الذي أجبر الأنظمة التعليمية على التحول السريع إلى التعليم عن بعد أو التعليم الهجين (OECD, 2021). 

لكن التجربة العالمية أظهرت أن نجاح هذا التحول لم يكن متساوياً بين الدول. فالأنظمة التي امتلكت بنية رقمية متطورة، ومعلمين مدربين على استخدام التكنولوجيا، استطاعت تقليل الخسائر التعليمية، بينما عانت الأنظمة الأخرى من فجوات كبيرة في التعلم، خصوصاً بين الطلاب من الفئات الاجتماعية الأقل حظاً. وتشير الدراسات التي تناولها التقرير إلى أن إغلاق المدارس أدى إلى خسائر تعليمية ملحوظة في عدد من الدول، مما دفع الحكومات إلى تطوير برامج تعويضية ودعم إضافي للطلاب (OECD, 2021).

 وبالتالي فإن أهم درس يمكن استخلاصه من هذه التجربة هو أن التعليم الحديث لا يمكن أن يعتمد على المدرسة التقليدية وحدها، بل يحتاج إلى بنية تعليمية مرنة تجمع بين التعليم الحضوري والتعلم الرقمي. فوجود منصات تعليمية قوية، وتدريب المعلمين على التعليم الرقمي، وتطوير وسائل تقييم جديدة، أصبح شرطاً أساسياً لضمان استمرارية التعليم في أوقات الأزمات.

ختاماً أستطيع أن أقول بأن الأزمات لا تخلق المشكلات في التعليم، بل تكشفها؛ والأنظمة التي تتعلم من الأزمات هي وحدها القادرة على إصلاح نفسها.

هل يمكن أن تكون هذه لحظة إصلاح؟

ربما يكون السؤال الأهم ليس كيف نعود إلى التعليم التقليدي بعد انتهاء الظروف الراهنة، بل:
هل ينبغي أن نعود إليه كما كان؟
فكل أزمة تكشف نقاط ضعف كانت موجودة أصلاً لكنها لم تكن ظاهرة بوضوح. وإذا تعاملنا مع هذه اللحظة فقط كاستثناء مؤقت، فقد نفوّت فرصة نادرة لإعادة التفكير في:
  • شكل المدرسة
  • دور المعلم
  • طرق التعلم



وفي ختام مقالي هذا أريد أن أكرر بأن الأزمات لا تصنع الإصلاح… لكنها تكشف الحاجة إليه.
وإذا كان التعليم قد انتقل مؤقتًا إلى الشاشات، فقد يكون هذا التحول فرصة لطرح سؤال أعمق:
هل نريد أن نعيد بناء المدرسة كما كانت، أم أن الوقت قد حان لنفكر في منظور آخر يختلف عما إعتدنا على رؤيته في مدارسنا؟
في السُنبلة لا أبحث عن إجابات جاهزة، بل عن أسئلة تستحق التفكير. وربما يكون السؤال اليوم ليس كيف نُدير الأزمة التعليمية، بل كيف نستفيد منها لنصنع تعليمًا أكثر مرونة وعدالة واستعدادًا للمستقبل.

تحياتي

رشا مهدي العجمي




References 

OECD. (2021). The state of Global Education: 18 months into the pandemic. OECD Publishing. Paris. https://doi.org/10.1787/1a23bb23-en.




 

Comments

Popular posts from this blog

السُّنبُلة: حيث تنمو الكلمة في أرض السياسات التربوية

حين تصبح الدرجة سياسة: الاختبارات الدولية والسباق على تصدير التفوق في الخليج

حين تُصبح الشهادة شرطًا للجودة: قراءة هادئة في الرخصة المهنية للمعلمين