مناهج تتبدل، وقرارات تتسارع... فأين الفلسفة التربوية؟

 ومضات فكرية

ضجّت وسائل الإعلام الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بجدلية ساخنة: هل ما تم تغييره في السياسات التربوية مؤخرًا يحمل نفعًا حقيقيًا؟ وهل التحولات الجديدة في المناهج، وبصمة التواجد، والقرار الوزاري 116، تمضي بنا نحو تعليم أكثر عدالة وفعالية؟
كان لوزير التربية نصيب الأسد من التفاعل، ما بين مؤيد يرى فيه رجل مرحلة، ومعارض يتوجّس من تسارع التغيير دون تمكين حقيقي. وفي هذا المقال، لا أزعم امتلاك الحقيقة، بل أسعى إلى إضاءة زوايا مظلمة في هذه التحولات الثلاث الكبرى، من منظوري في مدونة السُنبلة التي لا أبحث فيها عن الرأي السائد بل عن السؤال الغائب.

1. هل بصمة التواجد مؤشر عن الانضباط أم لا؟

تُعدّ “بصمة التواجد” قرارًا إداريًا ظاهره الانضباط، لكن باطنه يفتح تساؤلات تربوية لا تقل خطورة.
هل غايتنا من التعليم هي الحضور الجسدي أم المشاركة الفكرية؟
هل البصمة تحلّ مشكلة تغيب المعلمين، أم تُعيد إنتاج أزمة الثقة بين الوزارة والمعلمين؟
حين تُفرض أنظمة مراقبة قبل بناء جسور التعاون، أقلق من أن تتحول المدرسة إلى بيئة بيروقراطية، يُقاس فيها الأداء بالدقائق لا بالأثر.

2. هل تحديث المناهج الجديدة دليل تطوير؟

كثير من الجدل دار حول تغيير المناهج، واتهامها بأنها إما مفرطة في المعلومات والمحتوى أو تفتقر إلى عمق ثقافي محلي، غير تأخر إستلام الكتب وسوء الورق والطباعة.
لكن السؤال الأهم هنا: هل نُحدّث المناهج لأننا نؤمن بالتعلم كعملية تغيير حقيقية؟ أم لأن “الخطة الاستراتيجية” تتطلب ذلك؟
في ظل غياب الشفافية حول فلسفة التغيير، وقلّة إشراك المعلمين في بناء المحتوى، أخشى أن يصبح المنهج مجرد منتَج يُستهلك لا تجربة تُعاش.

3. هل قرار 116 سيضمن الحصول على قادة تربويين؟

لا يمكن إنكار أن القرار الوزاري 116، المتعلق بشروط الترشح للوظائف الإشرافية، ينطلق من أهداف نبيلة: رفع كفاءة القيادات، وضمان عدالة الترقية.
لكنني أتساءل:
هل يمكن لاختبار ومقابلة أن يُحددا من هو المؤهل لقيادة مدرسة بكل تعقيداتها؟
هل النظام الحالي يوفر مسارات تنمية حقيقية للمعلمين قبل أن يُحاسَبوا؟
في ظل بنية تنظيمية تُغرق المعلم في المهام الإدارية، أخشى أن يصبح القرار مجرد أداة لتقنين الإقصاء، لا لتوسيع دائرة الكفاءة.

بين الضجيج والصوت الخافت 

تحدّث الجميع عن التعليم… عن السياسات والمناهج والقرارات، لكن قلّ من تساءل: ما الذي يقوله المعلّم بصوت خافت؟ ما الذي يشعر به الطالب حين يُفرض عليه ما لم يُصغ إليه فيه؟
تذكّرت تلك العبارة التي كتبتها ذات يوم: “كنتُ أبحث عن صوتٍ غير ظاهر… صوتٍ يشبهني أنا لا يشبه الضجيج.”
هكذا تبدو الساحة التربوية أحيانًا: امتلاءٌ بالكلام، وندرة في الإصغاء.

وحين يضيع الصوت الداخلي بين طبقات القرار ومناوشات الإعلام، يصعب تمييز الجميل من غير الجميل، ويصبح البحث عن الحقيقة في عمق المدرسة، لا في سطح المنصّات، أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.


سياسة بلا مشاركة… ظل بلا شمس

ليست المشكلة في وجود قرارات تربوية، بل في طريقة إنتاجها وتطبيقها. في السُنبلة أرى أن التعليم لا يُصلح بأدوات مراقبة، ولا بتحديث شكلي، ولا باختبارات، بل بإعادة الاعتبار للمعلّم شريكًا لا منفّذًا. وحين تغيب أصوات أهل الميدان، يصبح الإصلاح شعارًا لا واقعًا، وتُستهلك الطاقة في إدارة الجدالات لا بناء المدارس. لكن الأخطر من ذلك، أن غياب فلسفة تربوية واضحة تحكم عملية الإصلاح وتُوجّه أدواته، يجعل السياسات متناثرة، تفتقر للتماسك، وتُدار بمنطق ردّ الفعل لا البصيرة.
فهل نملك الشجاعة لصياغة سياسات تبدأ من الداخل، من المدرسة، من الطالب، من المعلّم… وتُبنى على رؤية تربوية متماسكة لا مجرد قرارات إدارية؟
هذا هو السؤال الذي أطرحه اليوم… لا لأجيب، بل لأوقظ التفكير.

لست ضد التطوير، بل ضد الاستعجال في قطف ثمار لم تُزرع بعد.
في السُنبلة أكتب لأني أومن أن التغيير لا يبدأ من التعليمات، بل من الفهم.
وأن الإصلاح لا يُقاس بعدد القرارات، بل بعمق أثرها في قلب المدرسة.

وأن السياسات التربوية لن تُثمر ما لم تُروَ بفلسفة، وتُسقَ بعدالة، وتُزرَع بمشاركة.

تحياتي

رشا مهدي العجمي

Comments

Popular posts from this blog

السُّنبُلة: حيث تنمو الكلمة في أرض السياسات التربوية

حين تصبح الدرجة سياسة: الاختبارات الدولية والسباق على تصدير التفوق في الخليج

حين تُصبح الشهادة شرطًا للجودة: قراءة هادئة في الرخصة المهنية للمعلمين