حين لا يُستشار البحث: لماذا تهمّش المعرفة العلمية في السياسات التعليمية بالكويت؟

 رغم التقدم الملحوظ في إنتاج البحوث التربوية في الكويت خلال العقدين الأخيرين، إلا أن أثر هذا التراكم العلمي على السياسات التعليمية، لا سيما في مجال تطوير المناهج، يظل محدودًا وهامشيًا. فقرارات تغيير المناهج أو تحديثها غالبًا ما تأتي كردود فعل على اختبارات دولية، أو تحت ضغط مطالبات مجتمعية، دون إشراك فعلي للباحثين التربويين أو الاستناد إلى نتائج دراسات ميدانية محلية.

تُعد المناهج الدراسية من أكثر الملفات حساسية في الكويت، إذ تمس الهوية، واللغة، والدين، وتشكّل أداة رئيسية في بناء المواطن. ومع ذلك، فإن عملية تطويرها لا تمر دائمًا عبر قنوات علمية منظمة. بل كثيرًا ما تتخذ القرارات المتعلقة بالمحتوى والهيكلة والتقييم في غرف مغلقة، أو من خلال لجان تشكَّل لأسباب إدارية بحتة، دون أن تُبنى على تحليل منهجي أو مراجعات بحثية حديثة.

هذا الواقع يُثير تساؤلات جدية: لماذا لا يُستخدم البحث العلمي كمصدر مركزي في اتخاذ قرارات تتعلق بتربية أجيال كاملة؟ وما الذي يُضعف حضور الباحث الكويتي في مشهد السياسات التعليمية؟

إشكالية تغييب البحث العلمي في تطوير المناهج

تُعد تغييرات المناهج الدراسية في الكويت خلال السنوات الأخيرة من أبرز الأمثلة على ضعف توظيف البحث العلمي في السياسات التربوية. فقد تمّت هذه التغييرات على نحو متسارع، دون عرضٍ موسّع لنتائج تقييم السياسات السابقة أو إشراك حقيقي لأهل الاختصاص. ورغم وجود نخبة بحثية محلية متخصصة في مجالات التربية والمناهج، تبقى أبحاثهم غالبًا حبيسة الأروقة الأكاديمية، دون أن تجد طريقها إلى دوائر صنع القرار.

يمكن تفسير هذا التهميش البنيوي للبحث العلمي من خلال أربعة أسباب رئيسية متداخلة:

  1. فجوة مؤسسية بين الباحث وصانع القرار: لا توجد آليات دائمة أو واضحة تربط الجامعات ومراكز الأبحاث باللجان المسؤولة عن تطوير المناهج، التي تُدار عادةً داخل الوزارة. ومع غياب لجنة شؤون التعليم والثقافة والإرشاد في مجلس الأمة منذ تعليق أعمال البرلمان في 2024، تفاقمت هذه الفجوة، وزاد غياب الرقابة التشريعية التي يمكن أن تفرض إشراك البحث العلمي في السياسات التعليمية.
  2. هيمنة الثقافة الإدارية على التفكير العلمي: يُفضل صانعو القرار أحيانًا سرعة الإنجاز أو الاستجابة لضغوط مجتمعية وسياسية، على حساب اتباع دورات تقييم ممنهجة. وهذا ينعكس في تغييرات متكررة للمناهج، تتم في بعض الأحيان دون مبررات معلنة أو مراجعة علمية واضحة.
  3. محدودية التمويل والدعم المؤسسي للبحوث التطبيقية: تظل أغلب البحوث التربوية في الكويت أكاديمية الطابع، بسبب غياب تمويل مخصص للدراسات التي تستهدف تطوير المناهج أو تقييم السياسات. كما أن ميزانيات الوزارات المعنية لا تتضمن خطوطًا واضحة لدعم هذا النوع من البحوث التطبيقية.
  4. الخوف من النقد أو كشف الإخفاقات السابقة: في بعض الأحيان، يُتجنّب إشراك الباحثين في تقييم السياسات القائمة خشية أن تُظهر نتائج الدراسات قصورًا في قرارات سابقة. وهذا يعكس هشاشة ثقافة المساءلة، ويُضعف إمكانات التعلّم المؤسسي من الأخطاء.

وبذلك، لا يُعد تهميش البحث العلمي مجرد خلل إداري، بل هو عرض لمشكلة أعمق تتعلّق ببنية الحوكمة التربوية نفسها، التي لا تزال تُدار بمعزل عن المعرفة العلمية.

نحو سياسة تعليمية تستند إلى المعرفة

إن إعادة الاعتبار للبحث العلمي في تطوير السياسات التعليمية بالكويت لا يُعد ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة وطنية لضمان جودة التعليم وعدالته واستدامته. والمناهج الدراسية، بما تحمله من مضامين قيمية ومعرفية وتربوية، لا يمكن أن تُترك للتجريب أو الانطباعات الفردية.
لا بد من بناء جسور دائمة بين الباحثين وصناع القرار، وتفعيل دور الجامعات والمراكز البحثية في رسم معالم الإصلاح. كما أن عودة مجلس الأمة وإحياء دور لجنة شؤون التعليم والثقافة والإرشاد تمثّل مدخلًا مهمًا لتقنين هذه العلاقة، من خلال إلزام الجهات التنفيذية بإدراج المراجعات البحثية والتوصيات التربوية في مشاريع تطوير المناهج والخطط الاستراتيجية.

في مدونة السُّنبُلة، أكتب لا لنقد السياسات فقط، بل لأقترح مسارات أعدل تستند إلى المعرفة والسياق والكرامة التربوية. فحين يُستشار البحث، تُثمر القرارات.

تحياتي

رشا مهدي العجمي


Comments

Popular posts from this blog

السُّنبُلة: حيث تنمو الكلمة في أرض السياسات التربوية

حين تصبح الدرجة سياسة: الاختبارات الدولية والسباق على تصدير التفوق في الخليج

حين تُصبح الشهادة شرطًا للجودة: قراءة هادئة في الرخصة المهنية للمعلمين