حين تصبح الدرجة سياسة: الاختبارات الدولية والسباق على تصدير التفوق في الخليج
مقدمة
ما الذي يخبرنا به اختبار دولي مثل TIMSS عن قدرة طلبتنا؟ وهل يمكن لاختبار واحد أن يحدّد جودة نظام تعليمي بأكمله؟
في السنوات الأخيرة، أصبحت الاختبارات الموضوعية والتقييمات العالمية جزءًا لا يتجزأ من السياسات التربوية في دول الخليج. فنتائج الطلبة لم تعد شأنًا داخليًا، بل تحوّلت إلى مؤشرات توضع على طاولة الوزراء، وتُنشر في الخطط الاستراتيجية، وتُوظَّف في قياس مستوى “الجاهزية الوطنية”.
ولكن خلف هذا الاهتمام المتصاعد، تقبع أسئلة تربوية وفكرية لا تزال بلا إجابة: ماذا نقيس؟ ولماذا؟ وهل أصبح “القياس” هدفًا بحد ذاته بدلًا من وسيلة للفهم والتحسين؟
ما الذي يجعل من الاختبارات الموضوعية محط أنظار صانعي القرار؟
الاختبارات الموضوعية، مثل TIMSS وPISA، تقدّم أرقامًا قابلة للمقارنة، وتسمح برسم خريطة عالمية لمستويات الأداء الأكاديمي. في منطقة الخليج، حيث تتسابق الدول لإثبات تقدمها وتنافسيتها، باتت هذه المؤشرات أشبه بـ”مرايا” تُعكس فيها صورة التعليم، بل وتُبنى على أساسها قرارات كبرى في السياسات والمناهج والتدريب.
السعودية، الإمارات، وقطر على سبيل المثال، أدرجت بوضوح في رؤاها الوطنية (مثل رؤية 2030) أهدافًا محددة لرفع تصنيف الطلبة في هذه الاختبارات، باعتبارها بوابة نحو “اقتصاد المعرفة”.
نتائج TIMSS في الكويت: جدل وطني وإصلاحات متعددة المسارات
أثارت نتائج الطلبة في اختبارات TIMSS نقاشًا عامًا واسعًا في الكويت، خاصة بعد أن سجلت البلاد أداءً متواضعًا في اختبار 2019، حيث جاءت ضمن الدول الخمس الأخيرة في الرياضيات والعلوم للصفين الرابع والثامن. وقد شكّلت هذه النتائج دافعًا مهمًا نحو طرح أسئلة جوهرية حول جودة التعليم، ومدى كفاءة إعداد المعلمين، وملاءمة المناهج الوطنية للمعايير الدولية في التقييم.
وفي هذا السياق، أطلقت وزارة التربية بقيادة الوزير م. سيد جلال الطبطبائي خطة إصلاحية طموحة شملت إعادة هيكلة المناهج من الصف الأول حتى التاسع، والتعاقد مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لدعم مشاركة الكويت في اختبار PISA 2029. ووفقًا لتصريحات الوزارة المنشورة في صحيفة الجريدة (2025)، فإن هذه الخطوة "ستمكن من تطوير المناهج وتأهيل المعلمين وفق أحدث الأساليب التربوية، بما ينعكس إيجابًا على جودة التعليم".
وقد تناول خالد العبدالهادي في تقريره بصحيفة Kuwait Times بتاريخ 20 مايو 2023 تفاصيل مشاركة الكويت في دورة 2023 من TIMSS، موضحًا أن هذه النسخة تتميز بكونها تقارن أداء نفس العينة التي خضعت للاختبار في الصف الرابع أثناء جائحة كورونا. وأشار التقرير إلى أن الكويت شهدت تحسنًا ملحوظًا بين عامي 2015 و2019 بمتوسط زيادة 22 نقطة، إلا أن التحديات لا تزال قائمة. كما نقل عن مسؤولين في مركز تطوير التعليم قولهم إن "النتائج ستُستخدم كأداة لتحسين معايير الجودة"، مؤكدين أن التعليم أصبح أولوية إصلاحية لا يمكن تأجيلها.
هل يمكن قياس الذكاء؟ جدلية قديمة تُعاد في قوالب جديدة
رغم اقتناع بعض صانعي السياسات بأن الاختبارات الدولية قادرة على قياس "الذكاء" أو "القدرة"، إلا أن هذا التصور يُخفي وراءه تاريخًا طويلًا من الجدل العلمي حول مفهوم القياس نفسه. يشير ناردِي (Nardi, 2018) إلى أن ما يُروَّج له غالبًا كـ "تفكير علمي" قد لا يكون محايدًا كما يُعتقد، بل قد يكون مشبعًا بانحيازات ثقافية ومعرفية. ومن أبرز هذه الانحيازات ما يُعرف بـ الانحياز التأكيدي، وهو الميل إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد معتقداتنا السابقة، وتجاهل أو رفض ما يناقضها. يوضح ناردِي ذلك بقوله:
"الانحياز التأكيدي هو هذا الميل إلى البحث عن المعلومات والمصادر التي تدعم آراءنا المسبقة... ويتغذّى هذا الانحياز عبر عمليات الإدراك والاهتمام والتذكر الانتقائي" (Nardi, 2018, p. 6).
ويضيف أن الخطاب اليومي – الممتلئ بأسئلة غير محكمة وافتراضات مشوَّهة – قد يتسلل دون وعي إلى طرق البحث ووسائل القياس:
"الخطاب العادي يحتوي على العديد من الأسئلة المصاغة بشكل سيئ والافتراضات المنحازة... تخيّل العواقب عندما تُطرح مثل هذه الأسئلة في سياق محاولة فهم سلوكيات وآراء معقدة ومهمة، أو عند صياغة سياسات عامة قد تؤثر بعمق في حياة الناس" (Nardi, 2018, p. 5).
في هذا الإطار، يبدو أن اختزال "جودة التعليم" في نتائج اختبارات موحدة عالميًا يُخفي الكثير من التباينات الثقافية واللغوية والتربوية، ويُفضي إلى قياس قدرة الطلبة على حل نمط معين من الأسئلة، لا قدرتهم على التعلم بمعناه الشامل والعميق.
من التعلّم إلى الترتيب: أثر التقييمات على البيئة المدرسية
مع تصاعد الاهتمام بالاختبارات الدولية، بدأت المدارس في بعض الدول الخليجية بإعداد طلبتها لتتماشى مع نمط تلك الاختبارات.
في كثير من الأحيان، يتحول الهدف من “تعليم الطالب” إلى “تجهيزه للاختبار” — وهو ما يُعرف بـ”teaching to the test”.
هذه الممارسة قد تؤدي إلى:
إهمال المهارات الإبداعية والتعبيرية التي لا تدخل في التقييم.
تهميش بعض المواد أو الأنشطة غير القابلة للقياس.
إرهاق المعلمين بمتطلبات التدريب على أنماط محددة من الأسئلة.
ما لا تقيسه TIMSS
رغم أهميتها، إلا أن الاختبارات الدولية لا تقيس:
التعلّم العاطفي والاجتماعي.
القيم الأخلاقية والتربوية.
المهارات الحياتية المرتبطة بالمجتمعات الخليجية.
قدرة الطالب على الربط بين المعرفة والحياة، وهي جوهر العملية التعليمية.
خاتمة: ما وراء الأرقام
ليست المشكلة في وجود الاختبارات، بل في كيفية قراءتها وتوظيفها. الأرقام التي تخرج من هذه التقييمات يجب أن تكون بداية حوار لا نهاية حُكم.
في الخليج، حيث تتغير السياسات بسرعة، ويُعاد تعريف دور التعليم في ضوء التحولات الاقتصادية والسياسية، علينا أن نسأل: هل نحن نربّي طلبة يفهمون العالم؟ أم طلبة يجيدون اجتياز الاختبار.
في مدونة السُّنبُلة، لا ألاحق الأرقام لمجرد المقارنة، بل أحاول أن أفهم ما وراءها: كيف تُصاغ السياسات؟ وعلى أي قيم تستند؟ ومن يخاطبها، ومن تُقصي؟ إن ما أطرحه هنا ليس ترفًا معرفيًا، بل محاولة للمساهمة في حوار تربوي أعمق، يأخذ في الاعتبار السياق الخليجي، ويُعيد مساءلة المفاهيم الشائعة عن "الجودة" و"النجاح".
تحياتي
رشا مهدي العجمي
أتفق تماماً … "يجب أن تكون بداية حوار لا نهاية حكم"
ReplyDeleteما لا تقيسه TIMSS 👌🏼 هو فعلياً ما نفقده 💔 والتساؤل الأخير هو المعضلة؛ بارك الله فيك دكتوره وسلمت الأنامل 👏🏼👏🏼👏🏼👏🏼
ReplyDeleteلا يمكن لإختبارات الذكاء أن تحدد لنا تماماً المستوى الفعلي للذكاء لأنها تعد من قبل أناس ينتمون إلى ثقافات مختلفة ومفاهيم مغايرة، لذا فلا ينبغي إلا الركون إلى قبيلاتها من الإختبرات المعدة محلياً.
ReplyDelete